لهجة دمياط: موسيقى النيل والبحر في كلمات أهلها
حين تزور دمياط، لا يأسرك جمال الأثاث وحده، بل لغة الناس.
تلك اللهجة التي تمتزج فيها نعومة البحر ودفء الريف وذكاء التجارة.
لهجة أهل دمياط ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي هوية ثقافية تُعبّر عن مدينة صنعت مجدها بيدها ولسانها.
في هذا المقال، سنغوص معًا في تفاصيل لهجة دمياط —
كيف نشأت؟ ما خصائصها؟ كيف تختلف عن باقي لهجات الدلتا؟
وما الذي يجعلها تحمل طابعًا خاصًا من الفكاهة والحكمة والخصوصية؟
🌊 أولاً: دمياط… مدينة تجمع اللهجات قبل أن تجمع الخشب
جغرافيًا، تقع دمياط في أقصى شمال الدلتا، بين النيل والبحر.
وهذا الموقع جعلها منذ قرون ملتقى للتجار والحرفيين والمهاجرين من أنحاء مصر.
فدخلتها كلمات من لهجات ريفية، وأخرى من المدن الساحلية،
واختلطت العربية الفصحى بالتركية والإيطالية في بعض المصطلحات القديمة، خاصة المرتبطة بالميناء وصناعة السفن.
ولهذا السبب، تبدو لهجة الدمياطيين مألوفة لكن مختلفة:
تشبه لهجة المنصورة وطنطا في اللحن،
لكنها أسرع في النطق، وأقرب للبحّارة في الإيقاع.
🪶 ثانيًا: ملامح لهجة دمياط
أهم ما يميز لهجة الدمياطيين هو السرعة في الأداء والاختصار في الجمل.
فهي لهجة عملية، تعكس طبيعة أهلها التجّار والحرفيين، الذين يتحدثون أثناء العمل ولا يطيلون في الكلام.
- إبدال الحروف:
غالبًا ما تتحول القاف إلى همزة أو “جـ”، فيقولون “جهوة” بدل “قهوة”، و“جزازة” بدل “قزازة”. - نغمة الصوت:
الصوت الدمياطي يميل إلى الحِدّة اللطيفة، خاصة عند النساء،
وكأن كل جملة تنتهي بارتفاع بسيط يوحي بالبهجة. - استخدام العبارات القصيرة:
مثل “ها إيه؟” (يعني: ماذا هناك؟)، “ماشي يا سيدي”، “على مهلك بَقى”.
أما الرجال فيتحدثون بصرامة خفيفة، فيها حزم ووضوح،
فتجد الجمل عندهم تنتهي غالبًا بنغمة قاطعة،
وكأنهم يطرقون المطارق في الورشة وهم يتحدثون!
🪵 ثالثًا: أمثلة من اللهجة الدمياطية
إليك بعض المفردات الشائعة التي تسمعها يوميًا في شوارع دمياط:
| الكلمة الدمياطية | المعنى بالعربية | ملاحظات |
|---|---|---|
| إيه الشغلة دي؟ | ما هذا العمل؟ | “الشغلة” تُستخدم كثيرًا بدل كلمة “الشيء”. |
| هَوِّد شوية | اهدأ قليلاً | من أكثر العبارات استخدامًا. |
| ده طلع شاطر عالآخر | إنه بارع جدًا | “عالآخر” تعني جدًا أو للغاية. |
| هاتلي الأهوة | أحضر لي القهوة | القاف تُنطق “أـ”. |
| ما تزوّقش الكلام | لا تتصنّع أو تتجمّل في الحديث | دلالة على الصراحة الدمياطية. |
هذه المفردات تُعبر عن روح المدينة:
عملية، صريحة، وبها خفة دم طبيعية لا تُصنع.
😂 رابعًا: الدعابة الدمياطية… لهجة تبتسم وهي تتكلم
من أبرز سمات لهجة دمياط أنها دائمًا تحمل نغمة فكاهية.
حتى في الجد، تجد الدمياطي يُدخل نكتة أو تعليقًا ذكيًا يُخفف التوتر.
ويشتهر أهل دمياط بقدرتهم على الرد السريع والمفاجئ،
حتى أن بعض المقولات الشعبية في مصر أصلها دمياطي.
من أشهر ما يُقال:
- “يا سلام على دمياط لما تضحك!” – إشارة لبهجة أهلها.
- “الدمياطي ما يتغلبش” – تعبير عن الذكاء العملي وسرعة التصرف.
الفكاهة هنا ليست للسخرية، بل وسيلة للتقرب والمودة.
ففي الأسواق والورش والمقاهي، لا يكاد يمر يوم دون ضحك صادق من القلب.
📚 خامسًا: أصل الكلمات الدمياطية
بعض الكلمات في لهجة دمياط تعود إلى أصول قديمة جدًا:
- من التركية: مثل “الجزمة” (من kızma)، و“الطربيزة” (من trapeza اليونانية).
- من الإيطالية: خاصة في مهن البحر مثل “بوستا” (السفينة الصغيرة) و“بورتا” (البوابة أو الرصيف).
- من الفصحى: كلمات مثل “هَوِّد” و“شغلة” و“ماشي” لا تزال تحمل جذورها العربية القديمة.
هذا المزيج اللغوي يعكس تاريخ دمياط كميناء تجاري عالمي،
استقبل الإيطاليين والفرنسيين والأتراك والمغاربة،
فصارت لهجتها خليطًا راقيًا من العراقة والانفتاح.
🎭 سادسًا: اللهجة في الفن والإعلام
ظهرت لهجة دمياط في السينما والمسرح عبر شخصيات كوميدية شهيرة.
فالفنان فؤاد المهندس قدّم شخصية دمياطية في أحد أفلامه،
والفنانة إنعام سالوسة — وهي من مواليد دمياط —
احتفظت ببعض ملامح لهجتها الأصيلة في نطقها الدافئ.
كما أن الإعلانات التجارية التي تُقلّد “طريقة كلام الدمياطيين”
تعتمد غالبًا على روح الدعابة والجدية معًا، في إشارة إلى سمات الشخصية الدمياطية.
🧠 سابعًا: تحليل لغوي – لماذا يحب الناس سماع لهجة دمياط؟
لهجة دمياط تُشبه موسيقى هادئة الإيقاع وسريعة في الوقت نفسه.
فيها نغمة بحرية، تشبه الأمواج الخفيفة،
وفيها صلابة ريفية تذكرك بأن المتحدث من أرض عمل وجدّ.
هذه الثنائية تجعلها لهجة محبوبة وسهلة الفهم على مستوى مصر كلها.
كما أنها تُعطي إحساسًا بـالقرب والود —
فالدمياطي حين يتحدث، يبدو كأنه يبتسم حتى وهو يعاتبك.
❤️ ثامنًا: لهجة دمياط… مرآة الروح الدمياطية
اللهجة ليست كلمات فقط، بل هي صوت المدينة.
وفي صوت دمياط نسمع البحر، والمطرقة، وضحكة الأم، وصوت الموج في رأس البر.
هي لهجة تحمل طاقة الحياة اليومية بكل تفاصيلها:
البيع والشراء، المزاح والجد، الترحيب والوداع.
ولهذا، حين تسمع دمياطيًا يتحدث،
ستعرف أن وراء كل كلمة قلبًا حقيقيًا يقولها قبل اللسان.



