الفول والطعمية في دمياط.. وجبة الفطار اللي ما تتبدلش!

الفول والطعمية في دمياط.. وجبة الفطار اللي ما تتبدلش!
في مدينة دمياط، حيث تمتزج رائحة البحر بعطر الخبز الساخن في الصباح، وحيث تُعلن شمس النيل عن يوم جديد من العمل والنشاط، يعلو صوت الزيت وهو يتراقص في المقلاة ليُعلن ميلاد أقراص الطعمية المقرمشة. لا يمكن لأي زائر لدمياط أن يبدأ يومه دون المرور بتجربة فطورها الشعبي الأشهر: الفول والطعمية، الوجبة التي لا تتبدل مهما تغيّر الزمان أو الحداثة.
الفطور الدمياطي.. عادة لا تتغير
الفطور في دمياط ليس مجرد وجبة، بل طقس يومي يعبّر عن روح المدينة. فمهما ازدحمت الشوارع بالمحلات والمصانع، تظل رائحة الفول والطعمية تطغى على كل شيء في الصباح. يخرج الصغار إلى المدارس، والعمال إلى ورش الأثاث، والموظفون إلى مكاتبهم، وكلهم يمرّون أولًا على الفُولِيّة أو الطعمجية القُدام — أولئك الذين يحافظون على وصفة الأجداد بنفس الأمانة التي يحافظ بها الصيادون على أسرار البحر.
في دمياط، لا تجد طاولة فطور بلا طبق فول ساخن مُزين بالطحينة والليمون والزيت الحار، ولا رغيف بلدي بدون قطعة طعمية خضراء من الداخل، مقرمشة من الخارج، وكأنها لوحة فنية مطهوة بحب.
سر الفول الدمياطي
الفول في دمياط له طابع خاص لا يشبه أي فول آخر في مصر. يُطهى ببطء داخل “القدرة النحاس” القديمة التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتُغلق بإحكام لتحتفظ بالنكهة. يضاف إليه القليل من الكمون والثوم والزيت البلدي، وربما لمسة خفيفة من الطحينة لمن يحب المذاق الكريمي.
أشهر ما يميّز فول دمياط هو أنه خفيف على المعدة وغني بالطاقة في الوقت نفسه، مما يجعله وجبة مثالية للعمال الذين يبدأون يومهم مبكرًا في ورش النجارة وصناعة الأثاث. وفي كل حارة تقريبًا، تجد فولياً يعرفه الجميع بالاسم، وله زبائن لا يبدّلونه مهما ظهرت مطاعم جديدة.
الطعمية الدمياطية.. خضارها من طمي النيل
الطعمية الدمياطية تختلف عن نظيرتها في القاهرة أو الإسكندرية. فهي مصنوعة من الفول المدمس وليس من الحمص، وهذا ما يجعلها أخف وأكثر قرمشة. كما أن لونها الأخضر الزاهي يأتي من كمية الخضرة الوفيرة (البقدونس، الكزبرة، الشبت، الثوم، والبصل الأخضر) التي تُفرم بعناية لتمنحها طعمًا مميزًا.
الطعمية في دمياط تُقلى في زيت غزير جدًا، لتخرج ذهبية اللون، تُقدَّم ساخنة بجانب المخلل، وشرائح الطماطم، وكوب شاي بالنعناع أو حليب دافئ.
ويقول الدمياطيون بفخر: “من أكل طعمية دمياط، صعب يرضى بغيرها!”
الفول والطعمية.. هوية المدينة
في دمياط، لا ينظر الناس إلى الفول والطعمية كطعامٍ للفقراء أو الأغنياء، بل كرمزٍ للانتماء. الجميع يجتمع حوله: الحرفي وصاحب المقهى، الطالب والطبيب، الكبير والصغير. في الصباح، تمتزج الأصوات: صوت البائع ينادي “فول ساخن وطعمية طازة”، وصوت الزبائن يتبادلون النكات، وصوت الملاعق وهي تدق على الصحون المعدنية.
هذا المشهد البسيط يُختصر فيه معنى “الهوية الدمياطية”: البساطة، والنشاط، وحب الحياة.
طقوس الجمعة والفطور الجماعي
يوم الجمعة في دمياط له نكهة مختلفة، فالفطور يتحوّل إلى وليمة عائلية. يجتمع الأبناء حول صينية كبيرة عليها الفول، الطعمية، البيض، الجبن، والمربى الدمياطي المصنوع يدويًا. تمتد الجلسة إلى ما بعد صلاة الجمعة، ويتحوّل الفطور إلى جلسة ضحك وذكريات.
ولا يخلو الفطور من الخبز البلدي الطازج الذي يخرج من الأفران الحجرية القديمة، ولا من “العسل الأسود” الذي يُغمس فيه الخبز كحلوى خفيفة بعد الفول والطعمية.
الطعمية في قلب الحداثة
رغم دخول الوجبات السريعة والمقاهي الحديثة إلى دمياط، ما زالت الطعمية تحتفظ بمكانتها. بل إن بعض المطاعم الجديدة بدأت تُقدّمها بطرق مبتكرة: طعمية بالجبن، أو طعمية محشوة، أو حتى ساندويتشات فول وطعمية في خبز “تورتيا”.
لكن يبقى “الطعمجية الأصليين” هم أصحاب الكلمة الأخيرة، لأنهم لا يصنعون الأكل فقط، بل يورّثون نكهة المدينة.
السياح والطعمية الدمياطية
في السنوات الأخيرة، أصبح فطور الفول والطعمية جزءًا من الرحلات السياحية في دمياط. فالسياح الذين يزورون المدينة لتفقد الأثاث أو البحر، يحرصون على تناول هذه الوجبة في أحد المطاعم الشعبية القديمة.
حتى أن بعض الأدلاء السياحيين يصفونها بأنها “التجربة التي تجعلك تشعر أنك من أهل المدينة”.
الاقتصاد الشعبي.. الفول مصدر رزق لآلاف الأسر
وراء هذه الوجبة الشعبية، يقف نظام اقتصادي شعبي متكامل.
من المزارع التي تنتج الفول البلدي، إلى المطاحن التي تُعدّ الخلطة، إلى البائعين الذين يستيقظون قبل الفجر ليجهزوا القدور والمقالي.
كل طبق فول وطعمية هو نتيجة جهد مئات الأيادي الدمياطية التي ترى في العمل عبادة وفي الإتقان واجبًا.
ذكريات لا تنسى
اسأل أي دمياطي مغترب عن أول ما يشتاق إليه في بلده، سيقول فورًا: “فول وطعمية من عند فلان!”
لأنها ليست مجرد أكلة، بل رائحة صباح طفولته، ودفء بيته، وصوت الشارع الذي لا ينام.
حتى في المناسبات والأعياد، تظل هذه الوجبة حاضرة — تُقدَّم للفطور قبل الخروج لشراء الكعك أو بعد صلاة العيد.
هي الذاكرة التي تحفظها الأجيال دون وعي، لأنها ببساطة تشبه روح دمياط نفسها: أصيلة، بسيطة، ومليئة بالحياة.
مستقبل الأكلة الشعبية في زمن الحداثة
مع تطور الزمن وظهور مطاعم الوجبات السريعة، يتساءل البعض: هل يمكن أن تختفي وجبة الفول والطعمية؟
لكن الحقيقة أن هذه الوجبة لا تختفي، بل تتجدّد.
ففي كل جيل، يظهر من يُعيد تقديمها بأسلوبه — مرة في مطعم راقٍ، ومرة في عربية فول متنقلة أمام البحر، ومرة في إفطار جماعي في ساحة عامة.
الطعم يتغير قليلًا، لكن الجوهر يبقى كما هو.
دمياط.. عاصمة الطعم الأصيل
ليست دمياط عاصمة الأثاث فقط، بل يمكن القول إنها عاصمة الطعم الأصيل.
فكل شيء فيها يُصنع بحب، سواء كان قطعة خشب منقوشة، أو رغيف فول وطعمية خرج من مقلاة صغيرة في حارة ضيقة.
في كلا الحالتين، ما يجمع بينهما هو روح الإتقان والرضا، تلك الروح التي تجعل من “الفطور الدمياطي” تجربة لا تُنسى.
الخاتمة
الفول والطعمية في دمياط ليست مجرد وجبة فطور، بل رمز لهوية مدينة صنعت مجدها بعرق الناس ودفء المخابز وصوت المقالي في الصباح.
هي أكلة تعبّر عن البساطة والكرم، عن التراث الذي لا يزول رغم العولمة، وعن جمال التفاصيل الصغيرة في حياة المصريين.
فمن يزور دمياط مرة، لن ينسى طعم فولها وطعمية حاراتها.
ومن يعيش فيها، يدرك أن هذه الوجبة ليست فقط فطورًا، بل قصة حب بين الإنسان والطعام، بين التراث والحداثة، بين دمياط ونبضها الشعبي.



